بقلم دكتورة / صفاء مصطفى
"هناك أطفال لم تسرق منهم الطفولة لعبة... بل سرقت منهم أشياء كان من المفترض ألا يحملوها في هذا العمر."
ليس كل طفل يبدو ناضجًا طفلًا ناضجًا فعلًا.
أحيانًا نمدح الطفل ونقول:
"ما شاء الله عليه عاقل."
"بيفهم وبيقدر المسؤولية."
"ده أكبر من سنه."
ونحن لا نعرف أن هذا الهدوء والنضج الظاهري قد يكون وراءه طفل تعلم مبكرًا أن عليه أن يتحمل أكثر مما يحتمل.
طفل يراقب مزاج والديه طوال الوقت.
طفل يشعر أنه مسؤول عن إسعاد أمه.
طفل يحاول تهدئة الخلافات داخل البيت.
طفل يكتم احتياجاته حتى لا يضيف عبئًا على أسرته.
طفل يتصرف وكأنه يجب أن يكون دائمًا قويًا لأنه لا يجد مساحة ليكون ضعيفًا.
هذا الطفل قد لا يطلب شيئًا.
قد لا يشتكي.
قد يساعد الجميع.
وقد يبدو للكبار طفلًا مثاليًا.
لكن السؤال الأهم ليس:
"لماذا هو مسؤول إلى هذه الدرجة؟"
بل:
"ماذا اضطره إلى أن يكون كذلك؟"
الطفل يحتاج أن يتعلم المسؤولية بالتدريج، لكن المسؤولية شيء، وتحمل الأعباء النفسية للكبار شيء آخر.
ليس مطلوبًا من الطفل أن يكون مستمعًا دائمًا لمشكلات والديه.
ولا أن يشعر أنه مسؤول عن استقرار البيت.
ولا أن يحمل أسرارًا أكبر من عمره.
ولا أن يتخلى دائمًا عن احتياجاته حتى يرضى الآخرون.
فالطفولة ليست مرحلة يجب أن يثبت فيها الطفل قدرته على التحمل...
بل مرحلة من حقه فيها أن يتعلم، ويخطئ، ويطلب المساعدة، ويحتاج إلى الآخرين.
وأحيانًا يظهر أثر هذا النوع من التربية بعد سنوات.
فيصبح الإنسان الذي اعتاد أن يكون "القوي" غير قادر على طلب المساعدة.
ويشعر بالذنب عندما يحتاج إلى أحد.
ويضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاته باستمرار.
ويعتقد أن قيمته مرتبطة بقدرته على العطاء والتحمل.
وهنا نفهم أن بعض الأطفال لم يكبروا لأنهم كانوا مستعدين للنضج...
بل لأن الظروف جعلتهم يشعرون أن عليهم أن يكبروا.
لذلك...
عندما نقول عن طفل:
"ده عاقل أوي بالنسبة لسنه"
فلنسأل أنفسنا أحيانًا:
هل هو عاقل فعلًا؟
أم أنه تعلم مبكرًا أن لا أحد لديه وقت ليتحمل عنه؟
الطفل القوي ليس هو الذي لا يحتاج أحدًا.
الطفل القوي هو الذي يعرف أنه يستطيع أن يحتاج إلى الآخرين دون أن يشعر بالخجل.
وفي النهاية...
اتركوا للطفل مساحة ليكون طفلًا.
لا تجعلوا هدوءه يخدعكم.
ولا تجعلوا تحمله سببًا لتحميله المزيد.
فبعض الأطفال الذين بدوا كبارًا جدًا في طفولتهم...
كانوا في الحقيقة يحتاجون فقط إلى شخص يقول لهم:
"مش لازم تشيل كل حاجة لوحدك."
