✍️ د. هدير محمود فايد
أخصائية التربية الخاصة والإرشاد الأسري
تمهيدي ماجستير في الصحة النفسية
اضطراب الذاكرة بعد الصدمات النفسية… حين يعجز العقل عن استيعاب الفقد!
هل يمكن أن يصل الحزن بالإنسان إلى درجة يفقد معها القدرة على الكلام؟!
هل يمكن أن يعرف الوجوه، لكنه يعجز عن تذكر أسمائها؟ أن تكون المعلومة موجودة في ذاكرته، لكنه لا يستطيع الوصول إليها؟ وهل من الممكن أن تكون الصدمة النفسية سببًا في أن يشعر الإنسان وكأن عقله توقف فجأة عن العمل؟
لم أكن أطرح هذه الأسئلة من باب الفضول العلمي، بل لأنني عشت تجربة جعلتني أبحث عن إجابات لها، وأفهم ما حدث بداخلي.
كانت أمي بالنسبة لي أكثر من مجرد أم؛ كانت الأمان، والثقة، والاطمئنان، والسند الذي أعود إليه مهما أثقلتني الحياة.
كانت أمًا مختلفة عن كل الأمهات في نظري، لها مكانة لا تشبه أحدًا، ووجودها في حياتي كان يمنحني شعورًا بأن هناك دائمًا شخصًا أستند إليه، مهما حدث.
مرت أمي بفترة مرض وتعب شديدة، ورغم ذلك لم أتخيل يومًا أن يأتي اليوم الذي أفقدها فيه، لم أكن مستعدة لفكرة غيابها، ولم أتخيل أن مصدر الأمان الذي اعتدت وجوده في حياتي يمكن أن يرحل فجأة.
لكنها رحلت...
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد شيء كما كان.
ماذا حدث لعقلي بعد الصدمة؟
بعد وفاة أمي، تعرضت لحالة نفسية شديدة ارتبطت باضطراب ما بعد الصدمة، وكان من أكثر الأمور التي أثارت خوفي ودهشتي ما حدث لذاكرتي وقدرتي على الكلام.
فقدت القدرة على الكلام بصورة طبيعية، وأصبحت أعاني من نسيان شديد.
كنت أعرف الأشخاص من حولي، وأتعرف على وجوههم، لكنني أحيانًا أعجز عن تذكر أسمائهم!
كانت الكلمات ثقيلة على لساني، وكأن الطريق بينها وبين أفكاري أصبح أكثر صعوبة. كنت أريد أن أتحدث، لكن التعبير لم يكن سهلًا كما اعتدت.
استمرت هذه الحالة قرابة ثلاثة أسابيع، ثم بدأت أستعيد قدرتي على الكلام تدريجيًا، لكن الكلام كان ثقيلًا، واستغرق الأمر وقتًا حتى تحسنت قدرتي على التعبير.
تحسنت ذاكرتي أيضًا، لكنني حتى الآن ما زلت أعاني من بعض مشكلات النسيان، خاصة في استدعاء بعض المعلومات.
وهنا بدأ السؤال العلمي الذي لم أستطع تجاهله:
كيف يمكن لصدمة نفسية أن تؤثر في الذاكرة والكلام إلى هذه الدرجة؟
أولًا: ما هو النسيان المؤقت المرتبط بالصدمات النفسية؟
الذاكرة ليست مجرد مخزن للمعلومات، بل هي مجموعة من العمليات المعقدة التي تشمل استقبال المعلومات، وترميزها، وتخزينها، ثم استرجاعها عند الحاجة.
وعندما يتعرض الإنسان لصدمة نفسية شديدة، قد تتأثر بعض هذه العمليات.
فقد يعاني من:
- صعوبة استرجاع الأسماء والمعلومات.
- نسيان بعض الأحداث والتفاصيل اليومية.
- ضعف التركيز والانتباه.
- صعوبة ترتيب الأفكار والتعبير عنها.
- الشعور بالتشوش الذهني.
- الإحساس أحيانًا بالانفصال عن الذات أو المحيط.
ومن المهم التمييز بين النسيان الناتج عن ضعف الانتباه والتركيز، وبين فقدان ذكريات معينة المرتبط بما يُعرف بفقدان الذاكرة التفارقي (Dissociative Amnesia).
فهما ليسا الشيء نفسه، وإن كانا قد يتداخلان في بعض تجارب الصدمة.
ثانيًا: لماذا تؤثر الصدمة النفسية في الذاكرة؟
عندما يتعرض الإنسان لحدث يفوق قدرته على الاحتمال النفسي، ينشط نظام الاستجابة للضغط النفسي في الجسم.
وتتداخل استجابات التوتر مع وظائف الدماغ المسؤولة عن الانتباه والتعلم والذاكرة.
ومن أهم المناطق المرتبطة بهذه العمليات:
1- الحُصين (Hippocampus):
له دور أساسي في تكوين الذكريات الجديدة وتنظيم استرجاعها، وقد تتأثر وظائفه بالضغط النفسي الشديد والمستمر.
2- اللوزة الدماغية (Amygdala):
ترتبط بمعالجة المشاعر، خاصة الخوف والتهديد، وتشارك في إعطاء الأحداث المشحونة عاطفيًا أهميتها الانفعالية.
3- قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex):
تشارك في الانتباه وتنظيم التفكير والذاكرة العاملة، وقد تتراجع كفاءة بعض وظائفها أثناء التوتر الشديد.
وهكذا قد يصبح العقل منشغلًا بمعالجة الخطر والألم النفسي، على حساب بعض العمليات المعرفية التي نستخدمها يوميًا.
ثالثًا: لماذا أعرف الشخص ولا أتذكر اسمه؟
هذه من أكثر الظواهر التي تستحق الفهم.
هناك فرق بين التعرف على المعلومة واستدعائها.
فقد يرى الإنسان شخصًا يعرفه جيدًا، ويتعرف على وجهه، لكنه لا يستطيع استحضار اسمه في تلك اللحظة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن المعلومة اختفت من الذاكرة، فقد تكون المشكلة في عملية الوصول إليها واسترجاعها.
وتزداد صعوبة الاستدعاء أحيانًا مع القلق والإرهاق واضطراب النوم والضغط النفسي.
رابعًا: هل يمكن أن تؤثر الصدمة في القدرة على الكلام؟
نعم، قد تؤثر الصدمات النفسية الشديدة في التواصل اللفظي، وقد يظهر لدى بعض الأشخاص صمت مرتبط بالصدمة أو صعوبة في التعبير.
كما أن اضطراب الانتباه واسترجاع الكلمات قد يجعل الكلام أبطأ وأكثر صعوبة.
لكن هناك فارق طبي مهم: فقدان القدرة على الكلام بصورة مفاجئة، أو ثقل الكلام الجديد، لا يجوز تفسيره نفسيًا فقط؛ فقد يكون علامة على مشكلة عصبية، ولذلك يستلزم تقييمًا طبيًا عاجلًا، حتى لو حدث بعد صدمة نفسية.
خامسًا: التأثير النفسي للنسيان بعد الصدمة
الأمر لا يتوقف عند مجرد نسيان اسم أو معلومة.
فالشخص قد يبدأ في الخوف من ذاكرته نفسها!
قد يسأل نفسه:
- هل سأظل أنسى؟
- لماذا لا أتذكر أشياء كنت أعرفها جيدًا؟
- لماذا أصبحت الكلمات ثقيلة؟
- هل فقدت جزءًا من قدراتي العقلية؟
- لماذا لا أستطيع العودة إلى طبيعتي السابقة؟
وهنا قد تتكون دائرة من القلق؛ فالخوف من النسيان يزيد التوتر، والتوتر بدوره قد يزيد صعوبة التركيز والاسترجاع.
ولهذا فإن التعامل مع هذه الحالة يحتاج إلى فهم نفسي وطبي، وليس مجرد نصائح عابرة لتحسين الذاكرة.
سادسًا: هل يمكن استعادة الذاكرة والقدرات المعرفية؟
في كثير من الحالات تتحسن الصعوبات المعرفية المرتبطة بالضغط النفسي مع التعافي من الصدمة، لكن التحسن يختلف من شخص إلى آخر.
وقد يساعد على ذلك:
- العلاج النفسي المتخصص في الصدمات.
- تنظيم النوم والراحة.
- تقليل مصادر الضغط النفسي قدر الإمكان.
- ممارسة أنشطة تنشيط الذاكرة والانتباه.
- استخدام المذكرات والتنبيهات لتنظيم المعلومات اليومية.
- التقييم الطبي لاستبعاد الأسباب العضوية أو العصبية الأخرى.
ولا ينبغي اعتبار استمرار النسيان دليلًا على تلف دائم في الذاكرة، كما لا ينبغي افتراض أن كل نسيان سببه الصدمة.
أخيرًا… ليست كل الجروح مرئية!
كتبت هذه الكلمات لأنني أدركت أن الصدمة النفسية قد تترك آثارًا لا يراها الآخرون.
قد يرى الناس شخصًا عاد إلى حياته، ويتحدث ويعمل ويؤدي مسؤولياته، لكنهم لا يعرفون ما الذي يحدث داخل عقله، ولا حجم المجهود الذي يبذله حتى يتذكر معلومة بسيطة أو يستعيد قدرته على التركيز.
رحيل أمي لم يكن مجرد فقدان لشخص أحبه، بل كان فقدانًا لمصدر أمان اعتدت وجوده طوال حياتي.
وما زلت أتعلم كيف أتعامل مع هذا الغياب، وكيف أفهم التغيرات التي تركتها تلك التجربة بداخلي.
أحيانًا لا يفقد الإنسان ذاكرته لأنه نسي ما حدث، بل لأن ما حدث كان أكبر من قدرته على الاستيعاب في تلك اللحظة.
وهنا علينا أن نتوقف عن الحكم على من يعاني من النسيان أو صعوبة التعبير، وأن ندرك أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من صحة الإنسان.
فليس كل من ينسى مهملًا، وليس كل من يصمت لا يريد الكلام، وليس كل من يبدو قويًا قد تجاوز ألمه.
افهموا الإنسان قبل أن تحكموا على تصرفاته… فبعض المعارك تدور داخل العقل، ولا يراها أحد.
✍️ د. هدير محمود فايد
أخصائية التربية الخاصة والإرشاد الأسري
تمهيدي ماجستير في الصحة النفسية
